بن عيسى باطاهر
151
المقابلة في القرآن الكريم
والنظام الحاكم بل هي مسؤولية الفرد نفسه « وهذه النظرة هي نظرة الرأسمالية الخالصة التي سادت أوروبا في مطالع العصر الحديث . . ولا شك أن الفقراء في مجتمع هذا شأنه ، وتلك فلسفته ، أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام ، ولا حقّ لهم يطالبون به ، ولا سند لهم يعتمدون عليه ، ولا عجب أن تميّزت هذه الرأسمالية في أول ظهورها وعنفوانها بالقسوة البالغة ، والأنانية المفرطة ، لا ترحم صغيرا ، ولا تحنو على أنثى ، ولا تشفق على ضعيف ، ولا تنظر بعين العطف إلى فقير أو مسكين » « 1 » . والرأسمالية بهذا المنظور لم تستطع أن تحلّ مشكلة الفقر بل إنّما عمّقت الفارق بين غنى الأغنياء وفقر الفقراء لأنّها حمّلت الفقير وحده مسؤولية فقره ، وأما نظرة الاشتراكية الشيوعية فهي على النقيض تماما من نظرة الرأسمالية إذ ترى أن القضاء على الفقر لا يمكن إلّا بالقضاء على طبقة الأغنياء ، ومصادرة أموالهم ، وحرمانهم من ثرواتهم من أي وجه جاءت ، وفي سبيل ذلك يجب أن تقضي طبقة الفقراء على طبقة الأغنياء ، وتبقى الكلمة الأخيرة للطبقة الكادحة أو ما يسمى بالطبقة العاملة « البروليتاريا » ، « ولم يكتف دعاة هذا المذهب بتحطيم طبقة الأغنياء ، ومصادرة ما ملكوا ، فذهبوا إلى محاربة مبدأ « الملكية » الخاصة نفسه ، وتحريم التملّك على الناس أيّا كان مصدره ، وبخاصة الأرض والمصانع والآلات ونحوها مما يسمى ( ثروات الإنتاج ) » « 2 » . ونظرة الاشتراكية إلى الفقر تخالف كذلك الفطرة البشرية السوية ، ولم تحل مشكلة الفقر أبدا ، بل إنّها عمّقتها في المجتمع وأوجدت طبقة اجتماعية واحدة كادحة تسعى دون جدوى للقضاء على الفقر . ويختلف موقف القرآن والإسلام بعامة من الفقر اختلافا كبيرا عن جميع هذه المواقف البشرية ، « فالفقر في الإسلام يعد مشكلة يجب حلّها بل آفة خطرة
--> ( 1 ) نفسه - ص 12 . ( 2 ) نفسه - ص 14 .